p1M4YmbMuPH2PKwoYVMRXnr1KgU خواطر وهموم:الديمقراطية وارادة الشعوب - العالم بين يديك
الأحد، 7 أبريل 2013

خواطر وهموم:الديمقراطية وارادة الشعوب


من الطبيعي أن إيمان القومية العربية بالقيم الروحية إيمان عميق أن يكون منزع هذه القومية منزعاً ديمقراطياً عميقاً، فهذه القيم الروحية تعلمنا مبادئ المساواة بين الناس، والدرس الاول الذي تقدمه الايمان بالانسان واتخاذه غايه لا وسيلة، ولإن كانت الديمقراطية تعني شيئاً فهي تعني هذا الايمان بالانسان، هذه النظرة اليه كغاية في ذاته لا كوسيلة، والقومية العربية التي جعلت غايتها تنوير الانسان لابد ان تجعل الديمقراطية وسيلة مثلى من وسائل هذا التنوير الانساني العميق فيها تتكافأ الفرص أمام الجميع وبها تزول الامتيازات بين الطبقات والفئات، وبها يمارس الفرد حريته التي هي اصل اكتشافه لذاته، و الحياة الديمقراطية لدى العرب كانت دوماً اساس حياتهم، والعربي لم يحرص على شيء في تاريخه حرصه على ديمقراطيته حرصه على المساواة بين الناس، حرصه على رفع الحواجز بين كبير وصغير، بين غني وفقير، بين رفيع ووضيع، والصراع بين القبائل في الجاهلية اساسه الحرص على الا تعلو قبيلة على اخرى، والا تصعر قبيلة وجهها لقبيلة اخرى والاسلام أكد منذ البداية مبادئ العدالة والمساواة، ولم يجعل التفاضل بين الناس على اساس من حسب او نسب او جاه او مال بل اقامه على اساس العمل والتقوى، ونظر اليهم على انهم سواسية كأسنان المشط.
جادل ابو جهل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: اجئتنا يا محمد لتجعل ابن سميه الذليل والوليد سواءً؟ فأجابه الرسول: نعم فما هما الا ولدا آدم وآدم من تراب، فقال أبو جهل : وتجعلهم انداداً لنا وهم عبيدنا وموالينا؟ فأجاب الرسول: ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض.. وما كان حرص الخلفاء الراشدين على شيء أشد من حرصهم على المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات وانكارهم لكل تسلط باسم جاه او امارة او سلطة، وقصة الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع محمد بن عمر وبن العاص يوم ضرب مصرياً بالسوط قصه شهيرة، فقد جعل المصري يضرب محمد بن عمرو العاص بالسوط قائلاً له: إضرب ابن الاكرمين وفي حضور والده والي مصر عمرو بن العاص الذي التفت اليه الخليفة قائلاً، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟
وحب عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) للحرية والمساواة في غنى عن الدلائل أيسره أنه كان يساوي نفسه بالضعفاء والفقراء، ولقد كان من أول ما خطب به الناس قوله (والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى أخد له الحق، ولا أضعف عندي من القوي حتى أخذ الحق منه) ومن وصاياه الشهرية لعماله « اجعلوا الناس عندكم سواء، قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم» والشواهد اكثر من ان تحصى على روح عمر العادله، وديمقراطيته العميقة التي كانت موضع دهشة كسرى فارس وقيصر الروم.
وقد ظلت هذه الروح الديمقراطية المثل الاعلى الذي يأخذ به الخلفاء من بعده، وكل خروج عنها كان ينظر اليه على انه انحراف عن النهج السوي، وكل تقرب منها كان يمجد ويذكر بالحمد والثناء، وما يزال المجتمع العربي حتى اليوم مجتمعاً يؤمن في أعماقه إيماناً لا يتزعزع بالديمقراطية ويناوئ كل خروج عليها ويجعلها مقياس سلوكه واعماله وخلاصة القول ان الفكرة العربية لا يمكن ان تكون مخلصة لذاتها، منطقية مع نفسها إلاّ اذا اتخذت الديمقراطية سبيلها الى تكوين الانسان العربي المنطلق المتحرر الذي تنشده.

0 التعليقات :

إرسال تعليق

المتابعون